عندما يعترض “سبلين” على “بسري”

عندما قُدِّمَ مشروع سد بسري في حكومة الرئيس سعد الحريري، لم يقابله أيّ اعتراضٍ من شأنهِ أن يُهدِّدَ بعدم تمريره أو إقامته.

قبل عامٍ من الآن، بدأ وزراء “التقدمي الإشتراكي” بالإفصاح عن أنّ هذا المشروع يتخلَّله بعض الشوائب التي يُسجِّل حزبهم ملاحظات عليها. اليوم، يُجَاهر رئيسه النائب السابق وليد جنبلاط، بموقفِه الرافضِ كليًا لهذا المشروع، موحيًا أنّه لن يقبل بمروره بأيّ شكلٍ من الأشكال.

ماذا اختلفَ بين الأمس واليوم؟ عندما كان جنبلاط مُمَثلًا بشكلٍ علنيٍّ في حكومةٍ يرأسها حليفه سعد الحريري، لم يكن مشروع “بسري” يشكِّل خطرًا على البيئةِ من وجهةِ نظرهِ. في السياسة تعني هذه النظرية أنّ جنبلاط لم يكن بواردِ إشعال حكومة حليفهِ من الداخل طالما أنّ الأخير يُطبِّع مع الأب الروحي لمشروعِ بسري، ويسير بصفقةٍ أتت به إلى رئاسة الحكومة في أضعفِ أيّامهِ داخليًا وخارجيًا.

حينذاك، إمّا كان جنبلاط يُقامِر بحياة اللبنانيين إن كان متيقنًا من خطورة “السد” على المنطقة، وإمّا أنّه يُقامِر اليوم لمحاولةِ إسقاطِ حكومةٍ تعمل بجدٍّ وليس هناك أيّ مجال لولادة فراغٍ حكومي في أصعبِ مرحلةٍ من تاريخ البلاد. هذا الجو تولَّد بشكلٍ كبيرٍ لدى أكثر من مرجعٍ سياسيٍّ، يَرون جميعًا أن جنبلاط يسير بحملةِ “التنقير” على الحكومة من خلال سد بسري وغير سد بسري.

يستَنِد النائب السابق في رفضهِ للمشروع على حملةِ بعضِ هيئات المجتمع المدني التي تعتبر أنّ السد يشكِّل خطرًا على البيئة. في الدراسةِ التي أعدَّها البنك الدولي بالإشتراك مع الجهّاتِ المُختَصّة اللبنانية، والتي يبدو أنّ جنبلاط لم يَطّلع عليها، هناك إجابةٌ على كلّ استفسارٍ. أبرز ما تورده دراسة المشروع وعقوده ضمن القرض المشروط الممنوح من البنك الدولي للبنان هو إلزام المتعهّدين تعويض الخسارة البيئية التي يخلّفها إنجاز المشروع. سيُلزم المتعهّد تشجير ١٢٠ ألف شجرة مقابل التي ستُقطع من أجل بناءِ السد، لكن في الواقع لم يعوِّض جنبلاط نفسه على آلاف المتضرِّرين صحيًا وبيئيًا من استمرار تشغيلهِ لمعمل الترابة في سبلين!!

تورد الدراسة أيضًا، أنّ السد يبعد قدرًا كافيًا وآمنًا عن فالق الزلازل الذي يمرّ ببلدة روم – قضاء جزين، كما أنّ ضغط المياه التي ستتجمَّع في السد لا يمكن لها أن تحرِّكَ الفالق إن كان فعلًا يمرّ في مرج بسري بحسبِ مزاعمِ المعترضين، ومنهم النائب السّابق جنبلاط.

هذا في الإعتراضات، والتي يشكّل جنبلاط رأس حربة أهلها. أمّا في الوقائع، فيرى مصدرٌ وزاريٌّ أنّ لبنان الذي يعيش اليوم في قلب منطقةٍ تغلي على صفيحِ حروب مياه مقبلة، يُشكِّل مرج بسري طاقة فرج لهذا البلد الذي يقف العدو الإسرائيلي على حدوده مُتربِّصًا بالليطاني وحتى مياه بحره، هو الذي يتمسَّك بالجولان في الجنوب السوري طمَعًا بمياههِ بناءً على رؤية استراتيجية تقدّر جيدًا قيمة المياه بعد عقودٍ آتية.

من هذا المُنطلق، وُلِدَت فكرة سد بسري لريِّ وتغذيةِ مناطق الجنوب وجبل لبنان وكذلك العاصمة بيروت. يعتبر المعترضون، ومنهم جنبلاط طبعًا، أنّ مرج بسري بما يشكِّل من بقعةٍ خضراء سيُمحَى من الخارطةِ البيئيّةِ، فيما تظهر دراسة المشروع أنّ السد سيستحوذ على ١٠٪؜ من المرجِ، فيما قد تموت أجزاء كبيرة من البقعةِ الخضراء بعد أعوامٍ إن أتت مواسم “شحيحة” الأمطار على لبنان، الأمر الذي يعالجه السد بشكلٍ كبيرٍ.

من هنا، يضع المصدر الوزاري كلام جنبلاط في إطار حملتهِ على الحكومة، وليس من منطلقٍ علمي أو بيئي وطني. والواقع يقول، أنّ الحكومة أقرَّت المشروع الذي سيبدأ تنفيذه بحسب الخطّة الموضوعة من قبل البنك الدولي، في حين لن تفيد الحملات المُضادة أي طرفٍ بشيءٍ، سوى الضجيج الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *