غضبٌ في قصور العدل

نعم إنّها الفوضى. ليست تلك الفوضى الخلّاقة التي أحدثتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق، ولا الفوضى التي دخل عبرها رفاق “البروفيسور” إلى المصرف المركزي الإسباني في “لا كازا دي بابيل”، إنّها فوضى قصور العدل في لبنان في زمن عرقلة صدور التشكيلات القضائية.

تململٌ كبيرٌ تشهده مكاتب عددٍ كبيرٍ من القضاة اليوم، لأسبابٍ تكاد تمسّ بصحّةِ هؤلاء النفسيّة، هم الذين لا يعلمون ما إذا كانوا سيبقون في مراكزهم ومحاكمهم أو سينتقلون إلى أماكنٍ أخرى.

وزيرة العدل ماري كلود نجم تمتنع حتى الساعة عن توقيع التشكيلات التي أرسلها إليها مجلس القضاء الأعلى مرَّتَيْن، فكان ردّها بالشكل لا بالأسماء الأمر الذي يبدو أنّه أوقف صدور التشكيلات إلى حين، فأصاب التخبّط قصور العدل، حيث تقبع الملفات داخل مكاتب من ينتظر مصيره ومستقبله المهني، كي يبتّ هو بمصيرها.

في الإطار عينه وبعد مناوشات حصلت بين وزيرة العدل ومجلس القضاء الأعلى تشهد أروقة القصر العدلي مطالبات بإلغاء المادة ١٣ التي تسمح لوزيرة الدفاع بالإطلاع على ملفات القضاة قبل تعيينهم في المحكمة العسكرية كون هذه الملفات سرية للغاية ولا يحق سوى للتفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى ووزيرة العدل الإطّلاع عليها، وهي بالمناسبة لم تُطبّق أبدًا في السابق.

من جانبها، تقول مصادر وزيرة العدل أن عدم توقيع التشكيلات القضائية ينطلق من مبدأ محاربة الطائفية السياسية وفرض مبدأ الكفاءة، في حين تشير مصادر مقرّبة من وزيرة الدفاع الى أنّها لم تُوضع في أجواءِ التشكيلات كما ينص القانون ولاسيما المادة ١٣.

وزيرة العدل نفسها، لم تسعَ حتى الساعة إلى التحصّل على استثناء للقضاة يسمح لهم بالسير بسياراتهم كل أيّام الأسبوع، من دون الإلتزام بقرار اللوحات “مفرد- مجوز” الصادر عن وزير الداخلية، انطلاقًا من كونهم موظّفي فئة أولى ولعملهم أولويّة قصوى على صعيد المؤسسات العامة والبلاد ككل. وحاول مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية الحصول على استثناء للقضاة من وزير الداخلية بيد أنّه لم يتجاوب.

يجاري المحامون القضاة بصرختهم، هم الذين لم تلتفت نقابتهم حتى الساعة الى هذا الأمر، فيعجز المحامي عن مواكبة عمله ومصالح موكّليه يوميًا نتيجة إلزامه بقرار مُستثنى منه الإعلامي والطبيب والفرّان.

يشير مصدرٌ قضائي، الى أن بإمكان القاضي الجزائي إبطال مفعول محاضر الضبط للمخالفين قرار “اللوحات” كونه يطبّق من ضمن قانون السير، وهذا ما حصل مع عددٍ من الممرضين والإعلاميين. فيما قرر المحامي العام التمييزي غسان خوري حفظ الشكوى المقدمة من أحد المحامين ضد وزير الداخلية بجرم خرق الدستور والقانون والاعتداء على الحقوق المدنية، التعسف في استعمال السلطة وتجاوزها وفرض عقوبات من دون أي نصٍّ قانونيٍّ لعدم الصفة.

نكتة الامس في صفوف المحامين قرار النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، الذي يلزم بموجبه جمعية المصارف بدفع أموال المحامين بالدولار أو العملة الوطنية في طلبهم من دون أن يلزمها بالدفع نقدًا أي أنّ بإمكان جمعية المصارف الموافقة على قراره وتنفيذه بإعطاء كل محامي حقوقه على شكل شيكاتٍ مصرفيّة، وهو أمرٌ مضحكٌ للغاية في حال حصوله! القرار الاستعراضي الشعبوي حسب قولهم، بدَّدَ رتابة اليوم للمحامين الممنوعين من استعمال سياراتهم.

معاناة المحامين لا تتوقف هنا، إذ أنّ نقابة المحامين قبلت بزيادة 20٪؜ على بوليصة تأمين كلِّ فردٍ من أفراد عائلة المحامي، قد تمرّ هذه الزيادة بهدوءٍ على بيوتِ كثيرٍ من المحامين، إلّا أنّه نزل كالصاعقة على عددٍ من المحامين غير الميسورين والذين لم يستطيعوا بدءًا دفع الرسم السنوي فكيف بالزيادة؟!. هنا يعتب عددٌ منهم على مجلس نقابتهم الذي اتخذ قرارًا بدفع الغرامات عن المساجين الذين قضوا مدة محكوميتهم بأنه كان من الأجدى أن تعمد النقابة إلى مساعدة المحامين المتضرّرين في أعمالهم نتيجة الأزمة الحالية كما فعلت في حرب تموز!!

ينظر المحامون والقضاة اليوم إلى نقابة المحامين ومجلس القضاء الأعلى على أنّهما مقصّرين في المطالبة بحقوق الناس عبر مقاضاة المصارف بخصوص الإستيلاء على أموال المودعين ولاسيما أصحاب الحسابات الصغيرة منهم.

وفي إطار مكافحة الفساد، يؤخَذ على القضاء عدم بتّه بالشكاوى والدعاوى بحق عددٍ من النواب والوزراء والشخصيات السياسية من قبل محامين وناشطين. ويبرِّر الطرف الآخر، واستنادًا الى قاعدة “البيّنة على من إدّعى”، أنّ عدم وجود أدلةٍ كافيةٍ يمنع استدعاء الاخبارات المقدمة بأغلبيتها من دون أي مستندات أو براهين، كما أنّ عدم رفع الحصانات يقف حائلًا بين رغبة القضاء بالتحقيق والتحرّي والمحاكمة وبين القانون والأمر الواقع.

القضاء والمحاماة جناحَيْ العدالة ، إذا اختلَّ احدهما سادَ الظلم ، فكيف واليوم اختلّ كلاهما وكسر “المفرد والمجوز” قدسيتهما.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *