العزل الناعم سيناريو مرشح للتطبيق

“تغلغل” فيروس كورونا في بشري دفع الوباء بشقه الشمالي الى الواجهة. الآن، يُمكِن القول أنّ هذا التطوّر دفعَ بإتجاه خلق مظلّة لمضاعفة البحث حول خياراتِ مواجهةٍ أخرى يقع “سيناريو العزل” على سلّمِ اولويّاتها.

المجلس الأعلى للدفاع بجلستهِ المُنعقِدة أمس الخميس ناقش على الهامشِ الخيار المذكور، إذ أنّ خيارات لجنة الطوارئ لا تزال تعتمد مبدأ تشديد التعبئة العامة ومحاولة ادخال تعديلاتٍ عليها تشبه الى حدٍّ ما حالات الطوارئ المعمول بها لكن من دون التجرؤ على اعلانها بحذافيرها كما فعلت أثيوبيا مثلًا.

ناقش المجلس إذًا حضور الفيروس في بشري وبعض الأمور الأخرى لكنه لم ينتقل الى مرحلةِ دراسةِ التبعات المُحتملة في حال تفشيه ضمن نطاق محافظة الشمال رغم وجود توصيات ألمحت إلى ذلك بخاصةٍ وأنّ مناطق شمالية كثيرة ما زالت “تلتفّ” على قرار التعبئة العامة وما زادَ من التفافها تفسير قرار “مفرد – مجوز” على النحو الذي يراه المواطن مناسبًا..

على ما يبدو أنّ الخيار الآن وفي ضوءِ ما يحصل هو زيادة منسوب الاجراءات الامنية و”شدشدتها”.

يوم أمس الأول، بحث الحاضرون في الاجتماع الوزاري – الأمني خيارات أخرى مختلفة تسهم في موضوع كبح جماح المواطنين وإخراجهم من الشوارع. معلومات توافرت لـ”ليبانون ديبايت” أكدت أن موضوع حجب بيع مادة البنزين عبر المحطات، أي إتخاذ قرار بإغلاقها، بُحِثَ لكن لم يُصار إلى إتخاذِ قرارٍ بشأنهِ بل أحيلَ إلى مزيدٍ من الدرسِ، وعلى الأرجح أن جزءًا من الحاضرين لا يميل صوب إعتماد هذا السيناريو في الوقت الراهن بل يفضّل إدخال تعديلاتٍ جوهرية على إجراءاتِ تطبيق التعبئة العامة يظهر أنها “من النوع المُشدد”.

بُعَيْد إعلان تسجيل حالات إصابة مرتفعة بفيروس “كوفيد – 19” في بشري حضرَ خيار العزل مرّة أخرى في بالِ وزير الصحة حمد حسن، إلّا أنّه استمهل هذه المرّة طرحه على طاولة النقاش خشية تسرّبه إلى نواب المنطقة كما حدث سابقًا وأثار عاصفة فيها ما فيها من “الخبائث الطائفية”. يبدو أن الوزير تعلّم من “الفولات”. قرّر في الحالة المستجدة التوجه فورًا صوب النواب لاجراء مكاشفةٍ لهم أمام واقع الحال الذي يفرض نفسه، فتسلَّح بعددِ الاصاباتِ وعدم إخافة الناسِ ليذهب بإتجاه إقتراحِ “عزلٍ بلديٍّ متوافق عليه”.

الخيار المُستحدث والذي يبدو أنه سيكون الإجراء المعتمد في الفترة المقبلة في حال تفشي الفيروس في أكثر من منطقة، هو الذهاب نحو إعتماد البلديات كجهة منفذة ومشرفة على أي قرار عزل قد يصدر، أي بمعنى أوضح تحويل إدارته تحت سقف تشكيل “لجنة طوارئ بلدية” تنسق الجهود مع وزارة الصحة والاجهزة المعنية على أن يخضعَ أي قرار بلدي لاقتراحٍ من الوزارة وتحت إشراف الاجهزة العسكرية والامنية المولجة تطبيقه ضمن خطةٍ تعني بظروفِ كلّ منطقة.

بمعنى أوضح، نحن أمام سيناريو مستجدّ – هجين مرشّح للتطبيق، يجمع في الاجراءات بين ما هو لطيفٌ وقاسٍ، أي أننا مقبلون على ما يمكن تسميته “عزل ناعم” يحقق الغرض في إلزام الناس الحجر المنزلي وعلى اللائحة أكثر من مكانٍ. هذا هو نوعٌ من أنواع “اللامركزية الادارية” التي أوجب “كورونا” فتح النقاش حول أولويات تطبيقها بعدما كانت سابقًا من المحرمات لضمورها كما يُقال نوايا “تقسيمية فيدرالية”.

في الشمال حيث يرشح اليوم أن يكون مقبلًا على إختبارات مرّة، تسود الخشية من دخولهِ في “شتاءٍ كوروني قاسٍ” تبعًا لدرجة التفلت الحاصلة فيه، ولاسيما في قرى أقضية طرابلس وعكار التي تشكو الكثير من بلدياتها من أطباع التفلت الحاصلة وغياب القدرة “اللوجستية” على ضبطها أو تطبيق مضمون قرارات التعزيز بشكلٍ أشد، والدعوة هنا موضوعة على عاتق الاجهزة الامنية والعسكرية للشروع في تنفيذ مجموعة من “الخيارات الصعبة”.

هناك من استبشرَ خيرًا من تجربة بلدية بشري التي تولت مهمة تأمين الفحوصات إلى المواطنين وتنفيذها من دون الرجوع إلى المراكز التي أعلنت وزارة الصحة مشروعيتها في هذا المجال. من دون أدنى شك، لاقت إجراءات البلدية ترحيبًا لدى الوزارة كما سائر المعنيين، وبات يمكن القول أنه سيناريو يمكن درسه وتعميمه على سائر البلديات وتطبيقه.

لكن المشكلة التي تحول دول ذلك بحسب ما يكشف أكثر من مصدر معني، غياب القدرة لدى معظم البلديات على توفير مثل هذه الخدمة، وأبرز العلل تكمن في نذرة العنصر المالي في ظل تأخير صرف أموال إلى البلديات عبر “المجلس البلدي المستقل”، لذا على البلديات في حال أرادت ذلك اللجوء إلى “الخيّرين”، وهو الخيار الذي بات شبه مفروضٍ على أكثر من منطقةٍ في ظل عجز الدولة.

ثمة خيار آخر يفرض نفسه، “الاختبارات الجوالة” التي يظهر أن أكثر من جهةٍ حزبية باتت تدفع صوبها، لكن ما يعيق إعتماد خيارٍ مماثلٍ، الخشية من “شحِّ” موارد فحوصات “PCR” المحدودة وعدم القدرة على توفير النواقص من بلدان المنشأ التي باتت “تحجر” عليها لأسباب داخلية يسبّبها توسع انتشار الفيروس.

يبقى الرهان في ظل واقع الحال الراهن على ما يتوفر من قدراتٍ و”العين الالهية الحارسة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *