محاولة الهروب من “الهيركات”

قبل انتفاضة 17 تشرين كان اللبنانيون يتحضّرون للتخلي كلّيًا عن اكياس النايلون في المحال التجارية ليبدأ عصر الأكياس الصديقة للبيئة.

بدا الأمر “ترفًا” يبشّر بانفراجاتٍ، وكانت الآمال تتعاظم بجذب السياح الخليجيين مجددًا وتدفق أموال المغتربين، فيما أحد الفنادق استضاف مؤتمرًا حضره رئيس الجمهورية تحت عنوان “لبنان وطن الحوار والحضارات” أعقبه إقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك مشروع إنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار” في لبنان… مشهدٌ ورديٌّ مزيّفٌ تجاهلَ بالكامل حقيقة أننا نقبع فوق فوّهة بركان. استلزم الأمر خطيئة وزير بالتعدي على “واتساب” الفقراء. انتهى الأمر بإنفجار الاحتقان الشعبي تحت ثقل ارتكاباتٍ ومعصياتٍ وفجورِ حكوماتٍ متعاقبة كان أقلّ المتوقع أن تقودَ السفينة الى الغرق التام!

حكومة حسان دياب التي وُلِدَت في وقتٍ قياسيٍّ مقارنة بكلّ الحكومات السابقة وضعت فورًا جدول أولويات ظهرت عناوينه في بيانها الوزاري، وعلى رأس القائمة إستحقاق دفع سندات اليوروبوند وخطة الكهرباء.

لم تكد الحكومة تقول كلمتها في التخلّف عن السداد للدائنين والبدء بوضع خطتها المالية والاقتصادية للمرحلة الأكثر خطورة في تاريخ لبنان حتى أتتها ضربة “كورونا”. شمّرت حكومة التكنوقراط عن ساعديها وقامت بما عجزت عنه الكثير من كبرى الحكومات. وها هي تكتسب تعاطف جزءٍ من الشارع وتنويهًا من راصديها على الكوع… إلا من قِبل من ينتظر أن تهرّ الحكومة اليوم قبل الغد، ومن يحضّر لمراسم الدفن قبل سقوط الهيكل الوزاري!

لا يمكن التوقع من “المفجوعين” أقلّ من تصوير رئيس حكومة الشهرَيْن حسان دياب ينقضّ على أموال المودعين من صغيرهم الى كبيرهم فيما الحيتان إياهم، المعروفين بالاسماء من سياسيين ورجال أعمال واقتصاديين ومتعاطين بالشأن العام، يلطمون دفاعًا عن أموال الفقراء وودائعهم إما للمزايدة أو خوفًا من سَلبِهم ما تبقى من ودائعهم المهرّبة. حسان دياب السارق وهم ضحايا تهوّر حكومة الشهرين؟!

هكذا بدا المشهد في اليومَيْن الماضيَيْن. من كان شريكًا في “تنصيبة القرن” صار يُحاضر بعفّة ودائع الناس المتبخّرة أصلًا من المصارف وغير الموجودة إلا على الدفاتر. حفلة مزايداتٍ مفضوحة من قبل من توالى على الحكم وشارك في تغطية السياسات المالية على مدى عقودٍ.

بالتأكيد، حكومة دياب لم تقل كلمتها الحاسمة بعد في السياسة التي ستعتمد في توزيع الخسائر المتراكمة والمقدّرة بأكثر من 83 مليار دولار، وأدوات التقشف وأين وكيف، واستراتيجية تحرير سعر صرف الليرة أو ترك واقع “السوقين”، وحدود تدخل صندوق النقد الدولي وأوجه الضغط للحصول على العملة الصعبة من الخارج على رأسها أموال “سيدر”، وبرمجة آلية الشراكة مع القطاع الخاص. طرحت خطة على شكل أفكار للنقاش أقرب الى جسّ النبض فحَصدت هيجانًا سياسيًا ضدها.

الأزمة الحقيقية أنّه مهما تعدّلت أوجه هذه الخطة فالنتيجة واحدة: لا أحد من أركان السلطة اليوم قادرٌ على نفي الإنجرار الحتمي، مهما اتخذ من إجراءاتٍ سليمة وملحّة، الى خيارات أحلاها مرّ في رحلة الخروج من النفق المظلم، مع تأكيد قريبين من رئاسة الحكومة “أن هذه الخطة لم تُطرح إلا لكيّ تعدّل وتناقش”.

ويضيف هؤلاء “الإقرار الأول من نوعه بالخسائر المقدّرة في القطاع المصرفي وديون الدولة وإجراء عملية تدقيق مالي غير مسبوق يقودان الى عملية هي الأصعب تتعلق بآلية توزيع هذه الخسائر. هنا لبّ الأزمة. وهي معركة مصيرية للحكومة لا تتوقع خلالها أن تجدَ من سيقف معها بسهولة لأن معسكر الأخصام أكبر بكثير من معسكر الداعمين والواعين لحجم المشكلة مع رصد ارتفاع ملحوظ في شعبية الحكومة وأداء بعض وزرائها”. وما بين السطور معادلة ذهبية “أي خطة إنقاذية لن تخرج من مجلس الوزراء لتسقط في مجلس النواب، ولذلك فإنّ الغطاء السياسي مطلوب”.

في هذا الإطار، يجزم مصدر وزاري أن “هذه الحكومة بالذات تعمل وسط بيئة معادية فقط لكونها أتت مختلفة في الشكل والمضمون عن كافة الحكومات منذ التسعينيات، بما في ذلك حكومتيّ العهد الأولى والثانية”.

ويؤكّد المصدر أن “رئيس الحكومة حسان دياب في الاجتماعات الأخيرة التي عقدها كان يركّز على ضرورة التهرّب من “الهيركات” مع ترك الخيارات كلّها قيد الدرس”، مشيرة الى “أن دياب مدركٌ أن ثمّة من يريد أن يصوّره كمعتدٍ على حقوق اللبنانيين وودائعهم في المصارف، فيما حكومته تسعى لخطة إنقاذية لا تكون تحديدًا على حساب هؤلاء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *