مجلس القضاء الأعلى “يسحق” العهد أم قضاته؟

وقَع التباين الذي لم يَعد خافياً على أحد بين وزيرة العدل ومجلس القضاء الأعلى حول التشكيلات القضائية.

وقد أشارَ كتاب وزيرة العدل الموجَّه الى مجلس القضاء الأعلى، الى مكامِن الخلل من وجهة نظر الوزيرة، وبالتحديد عدم احترام المناقلات والتشكيلات لمبادئ الشمولية في تطبيق المعايير، التي قام المجلس بوضعها، بالإضافة الى الوقوع في تجاوزات لقوانين نافذة وتكريس مراكز قضائية لطوائف ومذاهب، ما يشكِّل مخالفات دستورية جمّة.

إلاّ أن مجلس القضاء ردَّ على كتاب وزيرة العدل بالإصرار على التشكيلات بالإجماع، دون أي تعديل وبصيغتها الأولية، مهملاً كتاب وزيرة العدل وملاحظاتها.

وبعد إصرار المجلس، انتقل النقاش علانيةً الى إلزامية توقيع وزراء العدل والمالية والدفاع ورئيسي الحكومة والجمهورية على مرسوم التشكيلات عملاً بنص المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي.

وتنصُّ المادة تلك، على أنه لا تصبح التشكيلات نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل، وعند حصول إختلاف في وجهات النظر بين الأخير ومجلس القضاء الأعلى تُعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاط المُختلف عليها، وإذا استمرَّ الخلاف ينظر مجلس القضاء مجدداً في الأمر للبتِّ فيه ويتَّخذ قراره بأكثرية سبعة أعضاء ويكون قراره في هذا الشأن تاماً ومُلزِماً.

وفي هذا الإطار، يشير مرجع قانوني مطّلع، الى أنه طالما الأمر يتعلق بمرسوم عادي كمرسوم التشكيلات القضائية، فإنه لا شيء يصبح نافذاً إلّا بعد توقيعه من رئيس البلاد.

ويتابع المرجع أنَّ هذه الصلاحية هي ما تبقى لرئيس الجمهورية بعد التعديلات التي أدخلها اتفاق الطائف على الدستور ومن الطبيعي ان لا تفرّط الرئاسة بهذه الصلاحية، حيث يسمو الدستور على جميع القوانين، في حين تؤكِّد جميع الاجتهادات والتفسيرات والنصوص وجهة النظر هذه.

ودعا المرجع القانوني لمن يسوّق نظرية أنَّ “المرسوم يصبح نافذاً بعد إصرار مجلس القضاء الأعلى” الى نشر مرسوم التشكيلات هذه في الجريدة الرسمية إذا استطاع لذلك سبيلاً.

ودحَضَ المرجع نظرية أنَّ توقيع رئيس البلاد هو شكلي او إجرائي، وإلّا لماذا يوقع، فلتصدر التشكيلات إذاً دون توقيعه!

وفي إطارٍ آخر سجَّل مراقبون تحفّظاً على آداء مجلس القضاء الأعلى في تطبيقه المادة 5 المذكورة، عند تخطيه لتطبيق المادتين 13 من قانون القضاء العسكري و77 من قانون العمل، لاسيما وأن المادة الخامسة تلك، لم تتناول إلغاءً صريحاً لمفاعيل المادة 13 المشار إليها، مع التذكير أنَّ قانون القضاء العسكري هو قانون إستثنائي.

وبعيداً من القانون والدستور والصلاحيات، فإنَّ التشكيلات المُقترحة شرذمت الجسم القضائي، حيث برزت حركة إعتراضية تحت إسم “رابطة قضاة لبنان” لتضمَّ ما يقارب الـ 150 قاضٍ، وهنا يجب الانتباه لتداعيات هذا الأمر وخطورته.

فأعضاء “رابطة قضاة لبنان” يشعرون بالظلم والغبن نتيجة هذه التشكيلات، ومرَدّ هذا الشعور بالدرجة الأولى، يعود الى عدم تطبيق المعايير المعتمدة من مجلس القضاء بشكل متساوٍ بين القضاة، ولما كان يُمكن لمجلس القضاء الأعلى الحرية بنقل أي قاضٍ الى أي مكان يراهُ ملائماً، كونه يحمل رسالة وليس صاحب وظيفة. ولكن عندما يكون هناك مظلومية او استهداف، فإنَّ ذلك يخلق في مكانٍ ما شعوراً بعدم المساواة بين أفراد المؤسسة الواحدة.

وعندما يشعر هذا العدد الكبير من القضاة بالظلم، فأين السياسة في ذلك، فهل طلب السياسيون من القضاة الشعور بالظلم… فشعروا به!

والموضوع الأهم الذي يتناوله بالتواتر العديد من القضاة والمحامين وأفراد المجتمع المدني، عن قاضٍ درزي قام بتزكية حصة رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، وقاضٍ اخر سني قام بتزكية حصة رئيس تيار المستقبل سعد الحريري واخر شيعي قام بتزكية حصة رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما اختار قاضٍ رفيع جداً الحصَّة المسيحية. وبذلك تكون هذه التشكيلات بحسب كل المراقبين، قد راعت جميع السياسيين بإستثناء رئيس الجمهورية.

والدليل أن كل من استفاد سياسياً منها، إمّا بقيَ صامتاً عن المخالفات الحاصلة فيها كالثنائي الشيعي، إمّا انبرى بالدفاع عنها ككتلة القوات اللبنانية، ليس حفاظاً على إستقلالية القضاء، بل لكونها إقتصّت من قضاة يغرّدون خارج سربهم.

فضلاً عن أنه تبعاً لما جرى إعتماده من مداورة بين نقل قضاة من القضاء المدني الى مراكز جزائية، أدَّى الى الإطاحة بكل الجهود التي قامت بها كل مؤسسات الدولة من وزارة العدل الى الداخلية الى وزارة الدفاع فالخارجية، في إطار التعاون مع جهات أجنبية منذ العام 2014، لمتابعة تدريب قضاة في الخارج والتخصّص بشؤون محددة من جهة، والى هدر المال العام من جهةٍ أخرى، بفعل تكبد الخزينة العامة عبء تحمّل مصاريف تدريب قضاة ذهبت سُدىً، كونهم جرى تعيّينهم في القضاء المدني فيما تمَّ نقل قضاة الى مراكز جزائية لا خبرة لهم في ممارسة العملِ فيها.

وتؤكّد معلومات “ليبانون ديبايت” نقلاً عن مصادر مطّلعة، أن رئيس الجمهورية الذي رفض أساساً الغوص في أسماء القضاة، لن يسمح بتجاوز وحدة وشمولية المعايير التي وضعها مجلس القضاء نفسه، كما وأنه لن يسمح كذلك بسلب سلطة ممنوحة له بقوة الدستور في تقدير الموقف واتخاذ الإجراء المناسب منه، خصوصاً عندما تُطرح أمام وزيرة العدل تشكيلات تختزن محاصصة سياسية من غير المسيحيين.

وتَستحسن مصادر رئاسية وقوف مشروع التشكيلات والمناقلات القضائية عند باب مكتب وزيرة العدل.

وتتابع المصادر الرئاسية التذكير أننا مقبلون على تخريج دفعة جديدة من القضاة في حزيران من معهد الدروس القضائية، عندها سيكون مجلس القضاء الاعلى مضطراً لإجراء تشكيلات جديدة، وربما يكون ذلك فرصة أمام المجلس لتصحيح أخطاءه وإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه؛ والأهمّ صون سلطة وهيبة مجلس القضاء الأعلى.

ويورد بعض القضاة العديد من الأمثلة منها أن تسمية قاضي تحقيقٍ شيعيٍّ في بيروت محسوبٌ على مجلس القضاء قابلها اعطاء حزب الله وحركة أمل قاضي تحقيقٍ شيعيٍّ إضافي في جبل لبنان وهذا المركز استحدث في هذه التشكيلات.

أما على صعيد المحامين العامين فيسجل تعيين محاميَيْن عاميَيْن لا تسمح لهما درجتهما بالحصول على هذا المركز، اذ ينص القانون على أن المحامي العام يجب أن يكون من الدرجة الرابعة وما فوق بينما هما يحملان درجتَيْن فقط وكل ذلك بهدف استرضاء جهاتٍ سياسية.

وأبرز النقاط التي تم التشديد عليها هي الاستنسابية الواضحة في التعامل مع القضاة، إذ تم تطبيق معيار أن كلّ قاضٍ يملك ملفًا في التفتيش لا يُعطَى مركزًا على القضاة المسيحيين ومن المحسوبين على العهدِ وغابَ هذا المعيار بشكلٍ كليٍّ عند الطوائفِ الأخرى.

ويُكمل بعض القضاة بالدلالة على عدم شمولية المعايير الموضوعة من قبل مجلس القضاء بالإضاءة على إعطاء مركز بمثابة رئيس محكمة استئناف لأحد القضاة الذي عمل مستشاراً لدى سياسي سنيّ، بينما استُبعد القضاة المسيحيون المحسوبون على جهات سياسية.

وفي الوقت الذي ينظر فيه المواطن الى القضاء على أنه لا يزال أحد اهم الركائز الدستورية لقيام دولة القانون، هل يُعقل أن يبقى الوضع القضائي يرزح بانتظارِ قانون من هنا او تعميم من هناك او برنامج تلفزيوني او مقالة صحافية لتحقيق استقلاليته، بينما الاستقلالية الحقيقية هي في النفوس قبل النصوص!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *