“المواجهة” تكتمل بعودة الحريري

خلطة سياسيّة ماورائيّة يتم التحضير لها في لبنان من شأنها أن تُغيّرَ المسار السياسي القائم اليوم في البلاد في ظل عهد الرئيس ميشال عون وحكومة الرئيس حسّان دياب.

بعد مرور ما يُقارب الشهرَيْن تقريبًا على نفي كل من تيّار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي وحزب القوات اللبنانية بوجودِ نيّةٍ لديهم، لإستعادة توليفة “14 آذار” السياسيّة والتموضع ضمنها مجددًا لمواجهةِ حكومة الرئيس حسان دياب، ظهر خلال اليومَيْن الماضيَيْن بشكلٍ جليٍّ، مدى التنسيق السياسي بين “الثلاثي” الحزبي والإستعداد لهذه المواجهة التي لا ينقصها ربّما، سوى تحديدِ ساعة الصفر.

خلف هذه الخلطة تلمع في الأجواء السياسيّة فكرة إحياء إتفاقٍ ثلاثيٍّ قوي ومُتمكِّن، يمكنه أن يُرعبَ الحكومة أو أن يُقلقها، هذا في حال لم يتمكّن من زعزعتها وهزّ أُسسها كمقدمةٍ لإعادة بنائها على أُسسٍ جديدة، يكون للثلاثي الدور الأساسي والمحوري فيها.

في ما يتعلّق بالوضع الحكومي، يبدو من خلال جميع المؤشرات، أنّ الأمور ذاهبة نحو الأسوأ وقد وأصبحت البلاد على أعتاب الحاجة إلى أكثر مما هو مُعجزة إلهية للخروج من أزماتنا، مما يعني ضرورة خلق حلفٍ أو تكتّل سياسي، لمواجهة التعنّت الحكومي في تحديد الخيارات اللازمة لإنقاذ الوضع الخطير، لكن ضمن تركيبة قادرة على استنباط الحلول ولعب دور فعلّي وحقيقي في رسم خريطة الإنقاذ.

يبدو راهنًا، أنّ تركيز الثلاثي سوف يتمحور حول تطويق الحكومة والضغط عليها لإجبارها على إعادة النظر في العديد من الملفات التي طرحتها في الفترة الأخيرة، أبرزها تلك المتعلّقة بالخطة المالية والاقتصادية، وذلك بالتنسيق مع جزءٍ كبيرٍ من الشارع، قبل الإنتقال إلى الخطوة الثانية وهي مرحلة المساومات والتسويات. ويبقى الأبرز والأصعب، كيفيّة تعاطي حزب الله مع هذه المحاولات وقدرته على تحمّل تبعات العودة إلى زمن الإصطفافات.

من النافل القول، أنّ أي مواجهةٍ غير محسوبةٍ مع حزب الله يُمكن أن توصلَ الأمور إلى مرحلةٍ خطيرة جدًا، ومن أجل تفادي ما لا تُحمَد عقباه، يأمل كثيرون في البلد أن يتحوَّلَ الكباش السياسي إلى مواجهاتٍ في الشارع. من هنا، ترى مصادر مقرَّبة من “الحزب” أنّ على أي جهةٍ أو حلفٍ سياسيٍّ أو حزبيٍّ، التفكير ألف مرّة قبل مباشرة العمل على تطويق الحكومة والإنقلاب عليها في الشارع، إذ أن ليس هناك أي جهة يُمكنها أن تضمن طبيعة المرحلة التي قد تلي الفراغ الحكومي.

الحقيقة أن عنوان الإصلاحات السياسية وخطط العمل الإقتصادية مع تصحيح الوضع المالي المنهار منذ ما قبل ثورة “17 تشرين” بالإضافة إلى إستعادة الأموال المنهوبة، جميعها شعارات شكّلت العنوان الأبرز لحكومة دياب قبل وبعد عمليّة التأليف، لكن الحقيقة الأكبر، أن أي من هذه العناوين لم يتحقّق بل العكس، فإنّ الأمور ذاهبة نحو الأسوأ والأخطر.

لذلك، قد يرى البعض أنّ للثلاثي الحزبي المواجه لحكومة دياب – حزب الله، والذي اكتملَ نصابه مع عودة الرئيس الحريري من الخارج، قادرٌ على ملاقاة الشارع في مطالبه، والتنسيق معه لتحقيق أدناها، على عكس الرئيس دياب العاجز حتّى الساعة، عن تحقيق أيٍّ من الوعود التي أعطاها للشارع. ويعود السؤال هنا ليُطرح حول طبيعة المواجهة والشكل الذي سوف تتّخذه في المرحلة المقبلة.

يبدو أنّ قائد حزب القوّات هو الأقدر اليوم بين حليفَيْه الحريري ووليد جنبلاط، على فتح جبهةٍ عريضةٍ ضد المكوّنين الأساسيَّيْن في الحكومة، أي حزب الله والتيار الوطني الحر، وهو يُعتبر رأس حربة في هذه المواجهة ومعروفٌ أنّه أحد أبرز الداعين إلى إعادة إحياء “14 آذار” ولو على أُسسٍ جديدةٍ. أما الحريري وجنبلاط، فيبدو أنّ لكل منهما حسابات أخرى، لبعضها الطابع المناطقي والجغرافي، والمذهبي يُعتبر حزب الله الطرف الأساسي فيها، وبعضها الآخر له علاقة بحساباتٍ سياسيةٍ تتراوح كما البورصة صعودًا ونزولًا، وتصبّ ضمن خانةِ تحسين الشروط وتحصينها.

يبقى الخطر، من أن تتخذّ المواجهة السياسية المُرتقبة، طابعًا مُغايرًا لما تعتقده بعض الجهات السياسيّة، إذ يرى البعض أن لا شيء يُمكن لـ”حزب الله” أن يخسره في أي مواجهة تُفرض عليه، هو المُدرك لطبيعة المواجهات في البلاد والطُرق التي تسلكها، وتلك التي تستقرّ عندها. والأمر كذلك بالنسبة إلى “القوات اللبنانية” التي باتت تُدرك كيفيّة خوض المواجهات على أشكالها، وقد خبرت هذا الأمر في أكثر من محطةٍ كان الشارع فيها، السيّد والحكم. يبقى أن يتخذ الحريري وجنبلاط الإحتياطات اللازمة، قبل سلوك طريق المواجهة، والتحصّن بدروعٍ لا تُشبه على الإطلاق، تلك التي تم ارتدائها في 7 أيّار 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *