الرئيس الحريري لن يعتذر

ما إن صرح الدكتور سمير جعجع منذ فترة عن قبوله دخول الحكومة بالحصة التي أعطيت له، رغم تسجيله لموقف الإعتراض على سياسة تحجيم القوات والضغط عليها حتى تنسحب من الحكومة، حتى انفرجت أسارير اللبنانيين واعتقدوا لوهلة أن ولادة الحكومة ستكون خلال ساعات قليلة. لكن ما كان ينتظرنا لم يكن في الحسبان حيث أعيد طرح العقدة السنية للنواب المستقلين أو بالأصح لمجموعة من 8 آذار، ومطالبة لهم بحقيبة وزارية من قبل حزب الله بعد أن كانت الأمور سائرة نحو الحلحلة. أعاد حزب الله طرح هذه العقدة السنيّة بعد أن فكّت العقد المارونية والدرزية. أصبح جلياً أمام الجميع والرأي العام المحلي والدولي، أن من يعرقل ولادة الحكومة هو جماعة حزب الله بعد أن حاول جبران باسيل حليفهم القوي أن يزيح من طريقه كل تمثيل ماروني لا ينضوي تحت جناح التيار الوطني الحر ليبقى وحده المسيطر على الساحة المارونية. وكذلك الأمر حصل في موضوع العقدة الدرزية إلا أن وليد جنبلاط قد حلها بحنكة عالية وسرعة قياسية.
نحن على أبواب انتهاء العام الحالي ، ولم نصل بعد الى تأليف حكومة نهائية تمسك بزمام أمور هذا البلد المهرول نحو الإنهيار الإقتصادي والمالي والإجتماعي. وبات من الواضح أن هناك جهة تسعى الى عرقلة تأليف الحكومة بشكل فاضح، وربما لتحرج الرئيس المكلف وتفقده صبره، فيعتذر عن تأليف الحكومة ويصبح لبنان رسمياً في دوامة الفراغ الحكومي التي ستطول الى أجل غير مسمّى.
استقبلت “البيان” مجموعة من المحللين السياسيين وتناولت معهم أسباب العراقيل التي تحول دون تأليف الحكومة والحلول الناجعة للحؤول في المستقبل بعدم تكرار هذا الأمر وعن وضع الرئيس المكلف وامتحان صبره ونجاحه في تخطي هذه الصعاب والخروج بحكومة أقل ما يمكن أن تفعل هي أن تدير أزمات البلد وتعيد بعض الثقة الدولية في لبنان.

العقدة المستجدة حلُّها بيد رئيس الجمهورية
كانت البداية مع الأستاذ آميل خوري حيث طرحنا عليه السؤال التالي: “مرت عدة شهور حتى الآن ولم تولد الحكومة، ما هي برأيك الحلول العاجلة والجذرية لحل عقدة التأليف؟”
يجيب الأستاذ آميل خوري: “بات واضحاً أن العقدة الآن هي عند حزب الله، لأنه هو الذي أوجد كتلة النواب الستة السنّة وطالب بتمثيلهم. والأخطر من كل ذلك، أنه ربط مشاركته في الحكومة بتمثيل هذا التكتل المختلق. الكرة الآن هي في ملعب حزب الله وعلى رئيس الجمهورية الذي وقف مع الرئيس سعد الحريري في موضوع التأليف، أن يعمل لدى حزب الله على الحل. بعد أن وقف رئيس الجمهورية بكل وضوح وصراحة مع الرئيس الحريري، عليه أن يتولى هو حل المشكلة مع حزب الله، وإلا فلا حل. أخشى أن يكون موقف حزب الله مرتبطاً بالعقوبات الأمريكية على إيران. وبذلك تكون إيران ترد سياسياً في لبنان على العقوبات الإقتصادية التي فرضتها أميركا عليها. وسيكون لهذا الرد تداعيات سلبية على الإقتصاد في لبنان. إسرائيل ليست في حاجة الآن الى أن تقوم بأي ضربة علينا ما دام لبنان يُضرب من داخله. تضرب إسرائيل حين تصبح في حالة الحاجة، لذلك وهي حتى الساعة ليست بحاجة الى أن تقوم بأي ضربة. إسرائيل لا تعمل إلا لحسابها ولا تعمل لحساب غيرها. إن الرئيس سعد الحريري في وضع حرج. كان موقفه واضحاً أنه لن يمثل النواب الستة السنة وحزب الله يصر على تمثيلهم. نحن أمام عقدة لا يستطيع حلّها إلا رئيس الجمهورية إذا شاء ذلك.”

إعتذار الرئيس الحريري عن تأليف الحكومة غير وارد كلياً
توقفنا في محطتنا الثانية مع المحلل السياسي الأستاذ طوني فرنسيس وطرحنا عليه السؤال التالي: “هل تعتقد أن الرئيس الحريري قد يعتذر عن التأليف؟ وما هي المخاطر التي من ممكن أن تنتج عن هذا الإعتذار؟”
يجيب الاستاذ طوني فرنسيس قائلاً: “بعدما أخذ الرئيس الحريري موقف ترشيح الرئيس عون للرئاسة بعد فترة فراغ رئاسي دامت سنتين ونصف السنة، كانت أولوية الرئيس الحريري ضمان البلد وإحلال الهدوء في ربوعه وإعادة البناء فيه. فمن يأخذ هكذا قرار لم يكن الكثيرون راضين عنه، لا أعتقد أنه سيتراجع أمام عقبة مفتعلة تحت عنوان تمثيل السنّة المستقلين. بالتالي، عدم تراجع الرئيس الحريري عن تأليف الحكومة يستند الى الموقف الحاسم لرئيس الجمهورية. إن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان واضحاً جداً في نقطة تمثيل المستقلين السنّة، وقال بصراحة لا لزوم لهذه العقدة المفتعلة، وبالتالي لا ضرورة لتمثيل هذه الكتلة المستنبطة في الحكومة. إذا أخذنا موقف رئيس الحكومة المكلف زائد موقف رئيس الجمهورية نجد أن لدينا إشارة الى ان موضوع اعتذار الرئيس الحريري موضوع صعب جداً وإنها فكرة مستحيلة. في الأساس الرئيس الحريري ليس في هذا الوارد. ربما كان لجأ الى الاعتذار لو لم يكن موقف رئيس الجمهورية على ما هو عليه. لكن بعد موقف رئيس الجمهورية زاد الرئيس الحريري تمسكاً بموقفه وبما يراه مناسباً في تشكيل الحكومة. لهذا سيستمر الحريري في المحاولة لولادة هذه الحكومة.”

رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وحدهما يؤلفان الحكومة
في محطتنا الثالثة والأخيرة، إستقبلنا المحللة السياسية الأستاذة روزانا بومنصف وطرحنا عليها السؤال التالي: “ما العقبة الرئيسية التي تقف في وجه تأليف الحكومة؟”
تجيب الأستاذة روزانا بومنصف قائلة: “بعد أن كانت الحكومة على وشك أن تولد، برزت عقبة تتمثل بما سمي بكتلة اللقاء التشاوري، وهم السنّة الذين يطالبون من خارج تيار المستقبل بأن يتمثلوا. طبعاً،لا يمثّل هؤلاء جميع السنّة لأن هناك من منهم خارج هذا التكتل ومن أبرزهم الرئيس نجيب ميقاتي والنائب فؤاد مخزومي والنائب أسامة سعد وغيرهم من الشخصيات السياسية السنية، وهم غير مشاركين في الحكومة. حتى الآن هذه هي العقبة الأخيرة التي ظهرت في تعثر تأليف الحكومة، وقد تصدى لها رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية الذي لم يرَ ان هؤلاء يشكلون كتلة لكي يُمثلوا. هذا الموقف خلق حالة توتر بين رئيس الجمهورية وحزب الله الذي كان جالساً ومتفرّجاً كل الفترة السابقة بعد ان ضمن حصته، وكل ما يريده، ولم يتفوه بأي كلمة، وكان لديه موقف جد إيجابي خلال الفترة السابقة، طالب من خلاله الإسراع بتأليف الحكومة وعدم المماطلة لأن الوضع الاقتصادي لا يحتمل. هناك كلام عن أن تمثيل السنة المستقلين قد طرح على رئيس الحكومة منذ خمسة أشهر وقد رفضه كلياً. من المستغرب ما يثار حول هذه النقطة وكأن رئيس الحكومة مجبر بكل إقتراح أو طلب يقدَّم إليه. هناك معايير يسير من خلالها رئيس الحكومة بغض النظر إن كانوا يوافقونه عليها أم لا. حسب الدستور رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية وحدهما يشكلان الحكومة. إن الأمور تتخذ منحىً آخر، خارج الدستور، من خلال فرض تمثيل هؤلاء في الحكومة أو ما عرف بمحاولة اختراق البيت السني من قبل حزب الله. إن لم يجدوا حلاً لا يكسر كلمة رئيس الجمهورية ولا موقف رئيس الحكومة ويجعل السنة المستقلين ربما ينصاعون الى رئيس الجمهورية، يبقى الأفق في موضوع تأليف الحكومة مسدوداً حتى إشعار آخر”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *