المجدرة أصبحت تحتاج لـ350 ألف ليرة

لعل أبرز ما يميز التراث اللبناني هو الطعام اللبناني التقليدي الذي يجذب القاصي والداني لما ينطوي عليه من طعم مميز، قيم غذائية مرتفعة، وعبق بالإرث الثقافي الغني والمتنوع الذي يعكس حقيقة هذه البقعة الملونة من الأرض. مع استفحال الأزمة الاقتصادية، بات هذا الجزء من إرثنا الثقافي وعماد منازل اللبنانيين تحت خطر الانقراض.

لم يسبق لأي منزل لبناني أن خلت مائدة غدائه من إثنين أو أكثر من المأكولات اللبنانية الشعبية ومائدة تضج بالألوان من بروتينات ونشويات وخضار حتى دخلنا عام ٢٠٢٠. حينها بدأت العملة الوطنية بالانهيار جارفة معها كل ما يمكن أن يتصوره عقل الانسان، ومن ضمنه مائدة الغداء التي يلتممْن حولها أفراد العائلة أيام الأسبوع، ويجلس إليها الأصدقاء والجيران أيام الآحاد.

أول فصول الخسارة التي أصابت المائدة اللبنانية كانت في اللحوم، فما كنا نتغنى به من “كبة نية وملسة وفراكه مع عرقين نعنع وراس بصل” بدأ بالاختفاء من مائدتنا مع ارتفاع سعر كيلو اللحم حتى بلغ مؤخراً ١٢٠ ألف ليرة لبنانية، رغم محاولات الدعم الفاشلة والسلة الغذائية غير المدروسة والتي لم تفلح سوى في دعم التجار المحتكرين والمهربين.

“الديار” اتصلت بالمواطنة اللبنانية فائزة جواد التي تعمل في إعداد الطعام والموائد من منزلها لمن يطلب ذلك. حاولنا أن نقوم بحسابات بسيطة مع جواد لإظهار الفروقات بتكلفة إعداد الطعام منذ ما قبل تشرين ٢٠١٩ وحتى يومنا هذا.

لعل أشهر المأكولات اللبنانية هي المجدرة التي تحتاج الى أربعة مكونات فقط، وحيث كانت تكلفتها تبلغ ٤٠٠٠ ليرة (٢٠٠٠ كيلو العدس، ١٥٠٠ كيلو الرز المصري، ٥٠٠ ليرة كيلو البصل) أصبحت اليوم تحتاج الى٣٥٠٠٠ ليرة (١٤٠٠٠ كيلو العدس، ١٧٠٠٠ كيلو الرز المصري، ٤٠٠٠ ليرة كيلو البصل) دون أن نغفل ارتفاع سعر تنكة زيت الزيتون من ١٥٠٠٠٠ ليرة إلى ١٠٠٠٠٠٠ ليرة، أي أن تكلفة أكلة المجدرة وحدها ارتفعت ٩٠٪.

أما عن الصحن الأشهر في لبنان، صحن الحمص بطحينة، تقول جواد إنه أصبح من مقبلات الأغنياء. فكيلو الحمص الذي كان يبلغ سعره ٣٠٠٠ ليرة بات يبلغ سعره حوالي ١٧٠٠٠ ليرة، وكيلو الطحينة التي كان يبلغ سعرها ١١٠٠٠ بات يبلغ ٧٠٠٠٠ ليرة، أي أن تكلفة صحن الحمص ارتفعت بنسبة ٨٥٪أيضًا.

تعتبر جواد أن ما يحصل أشبه بالكابوس، وتقول: “نعيش واقعاً مريراً لدرجة نكاد لا نصدق أنه حقيقي، وننتظر ذلك اليوم الذي سوف نستيقظ لنطمئن أن ما نعيشه قد انتهى”.

وعن الأجواء مع الزبائن، تقول جواد إن نسبة الطلب تراجعت كثيرا مع بدء أزمة كورونا والتزام النساء العاملات منازلهن، بالإضافة الى تغييرات في نوع الطلبات نفسها والحد من الكميات وإلغاء الكثير من الكماليات كزينة الطعام من المكسرات التي ارتفعت أسعارها أيضاً بشكل جنوني.

تأثر المطبخ اللبناني بطرق طهي من ثقافات مطبخية عبر العصور مثل المطبخ العثماني، والمطبخ العربي والمطبخ الشرق أوسطي وبخاصة مطبخ البحر الأبيض المتوسط، إلا أن حب اللبنانيين للمرح ولذة الطعام أضاف العديد من خاصيتهم التي جعلت المأكولات مميزة، فهل تقضي الأزمة على ما تبقّى من هذا التميز؟ وإذا لم يستطع اللبناني الفقير أن يتناول طعاماً لبنانياً محلياً، فماذا قد يتناول في بلد باتت فيه المواد المحلية مفقودة، والمستوردة بعيدة المنال؟

لن يخسر اللبناني جزءاً من إرثه الثقافي القيٌم والمتوارث عن أجداده وأسلافه فحسب، بل سوف يخسر قيماً غذائية مهمة ومرتفعة كون المطبخ اللبناني يعد مطبخاً متوسطياً ينطوي كنمط غذائي على الكثير من الفوائد ومنها تعزيز صحة الجهاز الهضمي، تقليل مخاطر الإصابة بالسرطان، تعزيز صحة القلب، تقليل مخاطر الإصابة بالخرف، تحكم أفضل بالوزن، وتحسين الصحة العقلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *