روائحُ قَمْعٍ في مطبخِ السلطة

يعتقد البعض أنّ القوى النافذة في السلطة هي نفسها مستفيدة من هذا الفلتان جزئياً، وضمن حدودٍ مضبوطة، لتبرير إمساكها بالقرار وبالسلاح، ولجوئها إلى القوة، لإطفاء الانتفاضة الشعبية، كما فعلت دائماً حتى اليوم. لكن هذه القوى لا تستطيع أن تتحمَّل الفلتان أو الإشكالاتٍ الأمنية “الجدّية”، لأنها قد تؤدي إلى تغيير “الستاتيكو” القائم محلياً، والذي تتمتع فيه بالنفوذ الأوسع.

خطة قوى السلطة تقضي بالتوازن بين أسلوبين: الاستيعاب والقمع. وهذا الأمر بدأ يتظهَّر اليوم في سلوكها، وتوحي به المناخات التي تتسّرب من داخل دوائرها وبيئاتها، حيث يتمّ تصوير أي حراك اعتراضي في الداخل وكأنّه عمل عدائي موحى به من القوى الخارجية المعادية، ولاسيما الولايات المتحدة وإسرائيل.

وهذا يعني أنّ ضرب هذا الحراك وإخمادَه في مَهدِه سيكون مبرَّراً ومشروعاً. وهناك أفكار يتمّ تسويقها في هذا الشأن:

1-إنّ القائمين بـ”الانتفاضة” أو “الثورة” يَتلقّون التعليمات والدعم من الولايات المتحدة، وهدفهم الحقيقي ليس الإصلاح بل محاولة إضعاف “حزب الله”.

2-إنّ هذا الإضعاف مطلوب لإراحة إسرائيل ودفع لبنان إلى الرضوخ لإملاءاتها في التطبيع والتوطين، والتسليم بسيطرتها على لبنان وموارده.

3-في هذه المناخات، سيتمّ استخدام “داعش” وسائر الجماعات الإرهابية كأوراق ضغط على الساحة اللبنانية.

وفي هذا المنظار، تعتبر القوى السياسية النافذة في السلطة، أنّ الانتفاضة ورقة يستخدمها الأميركيون، وأنّها إذ تُضعِف المقاومة قد تؤدي إلى خدمة إسرائيل وتفتح الباب لحراك الجماعات الإرهابية.

وهذا بالتأكيد مبرِّر كافٍ لضربها. وفوق ذلك، يتمّ تحميل الانتفاضة كامل المسؤولية عن التردّي السياسي والاقتصادي والأمني الحاصل.

وبناءً على هذا المنطق، قامت القوى النافذة في السلطة، في وقت سابق، بتحريض القوى الأمنية على المنتفضين، وجلست تتفرَّج على المواجهة في الشارع بين الطرفين، وغسلت يديها من أي مسؤولية. والمثير أنّ هذه المواجهة حصلت بين الضحيتين والشريحتين الأكثر فقراً، الشعب والقوى الأمنية.

في رأي أوساط في المعارضة، أنّ القوى السياسية النافذة في السلطة بدأت عملية قمعها الاستباقي للانتفاضة، بعدما أدركت أنّ من المستحيل كبت الاعتراضات الآتية، وأنّ الغضب سينفجر حتماً في الشارع. فما يَهُمُّها هو منعُ استيلاد انتفاضة 17 تشرين، وأما تبريرات القمع فهي جاهزة بكامل عُدَّتها وغبّ الطلب.

طوني عيسى- “الجمهورية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *