الأمن الذاتي: وجهٌ للحرب

خاص- “البيان”

عندما اندلعت شرارة الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، كانت إحدى أبرز مقدّماتها التي مهّدت لاندلاعها على نحو دموي استمر 15 عاماً، الأمن الذاتي الذي قامت به بعض المناطق اللبنانية، والأحزاب والميليشيات، الذي قطع أوصال الوطن الصغير، وعزل مناطق وأحياء وزواريب بعضها عن بعض.

نشأة الأمن الذاتي تمثلت حينذاك في ظهور مسلح لأشخاص منظّمين حزبياً، وتسلّموا زمام الأمور في هذه المناطق أو تلك بحجّة حمايتها، وتحت شعار ردّ الأخطار التي تهدّدها من قبل “أعداء” الداخل، فكانت أن ارتفعت المتاريس، ووُلدت خطوط التماس، وعُزل المواطنون في داخل كانتونات مناطقية وطائفية ومذهبية وحزبية ضيقة إلى حدّ الاختناق.

لكنّ من تولوا مهمّة الأمن الذاتي في مختلف المناطق اللبنانية، تحت ذريعة حمايتها، هم أوّل من تسبّبوا بنكبتها، وتدميرها، واستعداء جيرانها، وتصوير “الآخرين” من بقية اللبنانيين على أنّهم غرباء، وليسوا مثلنا، ويريدون قتلنا وتشريدنا، وأنّ أفضل وسيلة للخلاص منهم هي إمّا قتلهم أو الابتعاد عنهم، أيّ أن يعيشوا لوحدهم ونعيش لوحدنا، بشكل بدا كأنّه دعوة واضحة من أطراف عديدين لتقسيم الوطن الصغير إلى دويلات.

في الآونة الأخيرة عاد مشهد الأمن الذاتي إلى الواجهة، وكأنّ أحداً لم يتعلم من دروس الماضي، وأنّ الإقدام على هكذا خطوة لا يؤمّن حماية أيّ مجموعة، أو طائفة، وأنّ الحماية الفعلية تؤمّنها الدولة والجيش اللبناني والقوى الأمنية تحديداً.

مشهد الأمن الذاتي هذا، الذي يشبه في نقاط كثيرة مشهد الأمن الذاتي الذي نشأ قبل نحو نصف قرن من اليوم، تمثل في اعتماد أكثر من بلدة ومنطقة لبنانية مبدأ الأمن الذاتي، تحت حجّة لا تقنع أحداً ممّن عانوا من مآسي الأمن الذاتي أيّام الحرب الأهلية، هي مواجهة عصابات السّرقة والقتل التي ارتفعت نسبتها بشكل واضح في عدد من المناطق. وبدا لافتاً أنّ بعض المسلحين الذين يحرسون مداخل بلداتهم ومناطقهم، يظهرون مدجّجين بالسّلاح الحربي على اختلاف انواعه، وبتغطية سياسية من المجالس البلدية وفعاليات حزبية.

هل لم يتعلم اللبنانيون من التجربة المريرة للأمن الذاتي، ويريدون تكرارها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *