السرقات تعكس واقع طرابلس

إسراء ديب

لا يمرّ يوم على مدينة طرابلس إلّا وتنتشر فيه أخبار صادمة عن سرقات عدّة ارتفعت نسبتها بشكلٍ لافت في الآونة الأخيرة، إذْ لا يُمكن إخفاء حجم تأثير الأزمات المالية والمعيشية على المواطنين والتي فتحت الباب أمام “مافيات” أو أفراد استغلّوا هذه الظروف القاهرة لفرض أمر واقع يرفضه المجتمع، الدين، والقانون الغائب أساسًا “عن السمع”.

وإذْ يشتكي المواطنون من هذه السرقات التي لا تعرف صغيرًا ولا كبيرًا، يُشدّد هؤلاء على ضرورة قيام الأجهزة الأمنية المعنية بواجباتها للحدّ من هذه التعدّيات التي تضرّ بمصلحة المواطنين، وكأنّ كلّ هذه السموم اليومية التي يتعرّضون لها من أزمات متتالية لا تكفيهم، بل لا بدّ من مواجهتهم أيضًا لكلّ ما لا طاقة لهم به، وذلك كعقاب لبقائهم على أرض هذا الوطن التي يستبيحها “شبيحة” وفاسدون في السياسة والاقتصاد.

ولا يسلم أيّ مكتب، أو منزل، أو مؤسسة، وحتّى المساجد من أيدي السارقين الذين لا يكتفون بسرقة الأحذية من مدخل هذه الجوامع فحسب، إذْ لم تعد تكفيهم هذه الأحذية أبدًا، بل باتت أجهزة الإنارة، حتّى “الحنفيات” عرضة للسرقة لبيعها من جديد، في تجاوز واضح لبيوت الله التي باتت مهدّدة أيضًا بغياب الأمان عنها في الفترة الأخيرة، عدا عن سرقة القبور، السيارات، والحديد…

وقد يُفكّر البعض بضرورة تنفيذ “الأمن الذاتي” المتبع في مناطق لبنانية أخرى، في وقتٍ كانت تُخطّط بعض أحياء طرابلس خاصّة الشعبية منها بهذه الاستراتيجية التي توحي بغياب واضح لثقة المواطن بدولته أمنيًا وعسكريًا، لكنّها لم تقم بتنفيذها نظرًا لصعوبتها من جهة، كما عدم حصولها على بيئة حاضنة لها في وقتٍ يخشى بعض المواطنين من سيناريوات أمنية قد تُفرض عليهم من جهة ثانية، إذْ لا يرغبون في استدراجهم من جديد لاتهامات متصلة بالإرهاب وحمل الأسلحة غير الشرعية وغيرها من الاتهامات التي قد ترتبط بسجلّاتهم العدليّة حتّى آخر يوم في حياتهم.

في الواقع، إنّ القوى الأمنية الغائبة نسبيًا عن أحياء طرابلس التي تحتاج إليها بشكلٍ فاعل وتُطالب بوجودها على أراضيها منعًا لأيّ تجاوزات محتملة، دفعت الكثير من الناس إلى سرقة كلّ ما يُمكن الاستفادة منه، وآخرها سرقة المياه من خزانات خاصّة بمواطنين آخرين، وذلك بعد انقطاع المياه عن الكثير من المنازل مع غياب التيار الكهربائي وعجز المواطنين عن الاستمرار في دفع ثمن الاشتراك بالمولّدات الخاصّة لأسباب عدّة، واستغلالًا لفائض المياه المتوافر في المنازل، ما يفتح الباب أمام شجارات عائلية وبين الجيران قد لا تُحمد عقباها يومًا ما، وبالتالي إنّ الاجتماعات الأمنية التي سبق أن عُقدت مع الأمنيين الشماليين لحثّهم على تحمّل مسؤولياتهم أمام “الانفلات” الأمني الواضح في الأشهر القليلة الماضية، ومع زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون إلى طرابلس منذ أشهر، كلّها تفاصيل تحتاج إلى “إعادة نظر” بقراراتها أو نتائجها من جديد، إذْ لم تُطبّق بشكلٍ فاعل ومستمرّ، إذْ ينتهي العمل بها مباشرة بعد مرور يوميْن، ما يُشير إلى حجم الإهمال الذي تُعاني منه المدينة منذ أعوام من الرسميين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *